القرطبي

143

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

كعبيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى سرته ، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره ، ومنهم دون ذلك . فإذا انتقم اللّه عز وجل منهم على قدر كبائرهم وعتوّهم وإصرارهم ، فتح بينهم وبين المشركين بابا فرأوهم في الطبق الأعلى من النار ، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ، يبكون ويقولون : يا محمداه ، ارحم من أمتك الأشقياء واشفع لهم ، فقد أكلت النار لحومهم ودماءهم وعظامهم ، ثم ينادون : يا رباه يا سيداه ، ارحم من لم يشرك بك في دار الدنيا وإن كان قد أساء وأخطأ وتعدى ؛ فعندها يقول المشركون : ما أغنى عنكم إيمانكم باللّه وبمحمد شيئا ، فيغضب اللّه تعالى لذلك ؛ فعندها يقول : يا جبريل انطلق فأخرج من في النار من أمة محمد ، فيخرجهم ضبائر قد امتحشوا فيلقيهم على نهر على باب الجنة يقال له نهر الحياة ، فيمكثون حتى يعودوا أنضر ما كانوا ، ثم يأمر بإدخالهم الجنة مكتوبا على جباههم : هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم فيعرفون من بين أهل الجنة بذلك ، فيتضرعون إلى اللّه عز وجل أن يمحو عنهم تلك السمة فيمحوها اللّه تعالى عنهم ، فلا يعرفون بها بعد ذلك أبدا « 1 » . وذكر أبو نعيم الحافظ عن أبي عمران الجوني قال : بلغنا أنه إذا كان يوم القيامة أمر اللّه بكل جبّار ، وكل شيطان ، وكل من يخاف الناس شره في الدنيا ، فيوثقون بالحديد ، ثم أمر بهم إلى النار ، ثم أوصدها عليهم ، أي : أطبقها ؛ فلا واللّه لا تستقر أقدامهم على قرارها أبدا ، ولا واللّه ما ينظرون إلى أديم سماء أبدا ، ولا واللّه لا تلتقي جفونهم على غمض نوم ، ولا واللّه لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا . قال : ثم يقال لأهل الجنة : يا أهل الجنة افتحوا اليوم الأبواب ، فلا تخافوا شيطانا ، ولا جبارا ، وكلوا اليوم واشربوا بما أسلفتم في الأيام الخالية . قال أبو عمران : إذا هي واللّه يا إخوتاه أيامكم هذه « 2 » . فصل قوله : « فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل » وجاء في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم ، ثم يقال : « يا أهل الجنة أفيضوا عليهم من الماء » والمعنى واحد . والنبات معروف ، وهو خروج الشيء . والحبة بكسر الحاء : بذور البقول . وحميل السيل : ما احتمله من طين وغثاء ؛ فإذا اتفق أن يكون فيه حبة فإنها تنبت في يوم وليلة ، وهي أسرع نابتة نباتا ، فشبّه النبي صلى اللّه عليه وسلم سرعة نبات أجسادهم

--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم ( 5 / 373 ، 374 ) . ( 2 ) أخرجه أبو نعيم ( 2 / 312 ) .